إن مسؤولية بلورة وعي الإنسان بانتمائه الاجتماعي تعود إلى المجتمع نفسه ، عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية ، هذه المؤسسات التي تتولى مهمة رعاية الأفراد منذ لحظة الولادة قصد تأهيلهم للتفاعل مع إطارهم الاجتماعي العام ومع أبنية المجتمع ونظمه ومعتقداته .
وتمثل كل من الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام القوى الفاعلة والمؤثرة في عملية التنشئة الاجتماعية .
قد تحقق تلك المؤسسات أهدافها وقد يكون الفشل مصيرها الحتمي إذا غابت الفاعلية التنشئوية واختل شرط التفاعل المؤسساتي باعتباره محددا لسيرورة عملية التنشئة .
وتبرز قيمة التفاعل المؤسساتي للمؤسسات التنشئوية في الارتباط الحاصل بين كل مؤسسة من تلك المؤسسات ؛ فالإعلام مكمل لدور المسجد والمسجد مكمل لدور المدرسة والمدرسة مكملة لدور الأسرة التي تشكل النواة الأولى لإعداد الفرد . علاوة على كون الأسرة بحاجة إلى كل من المدرسة والمسجد والإعلام بغية رعاية الفرد وإغناء مداركه .في حين أن الأسرة نفسها نتيجة لتفاعل تنشئوي مستمر ومتواصل .
ولا ينحصر هذا التفاعل في مجال التنشئة وإنما يمتد ليشمل السلطة المشرفة على تلك المؤسسات ؛ إذ أن الدولة تشرف على المدرسة والمسجد والإعلام (إلى حد ما) وهي المؤسسات التي تؤثر إيجابا أم سلبا في مؤسسة الأسرة الواقعة تحت إشراف أفراد المجتمع.
وينقسم التفاعل المؤسساتي إلى نسقين ؛ أحدهما تنشئوي ، والآخر تفاعلي يهدف إلى تحقيق التفاعل بين مؤسسات التنشئة الاجتماعية من جهة ، وبينها وبين السلطة المشرفة على تلك المؤسسات ، وعلى المؤسسات التشريعية والتنفيذية التي تشرف عليها الدولة نظرا لكونها ذات علاقة مباشرة بالمؤسسات التنشئوية من جهة أخرى .
واجبات الإنسان ج 3
نوفمبر 4, 2009واجبات الإنسان ج 2
أكتوبر 21, 2009()الفرد والمجتمع()
بخصوص علاقة الفرد بالمجتمع ، والمجتمع بالفرد ، فإنها من الواجب أن تشكل جسدا اجتماعيا واحدا . وفي حالة انعدام هذه العلاقة ، يجب المسارعة إلى تشكيلها ؛ إنه جسد اجتماعي يضم
أفرادا مختلفين ، غير أنهم كأعضاء الجسد البدني متراصين ومترابطين ، يؤدون أدوارا متمايزة ، إلا أنها تحقق منفعة مشتركة تعود بالنفع على الجسد الاجتماعي الواحد الذي يحقق لكل واحد منهم انتماءه الاجتماعي داخل المركز واستقلاله عن المركز كطرف مرتبط به ارتباطا عضويا .
وإذا كانت علاقة الفرد بالمجتمع تقوم على مبدإ الحاجة والضرورة الطبيعية ، فإنها تقوم ، من جهة أخرى ، على مبدإ التكامل والضرورة الثقافية . وبتعبير ابن خلدون ، في مقدمته ، فإن ” الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وركبه على صورة لايصح حياتها وبقاؤها إلا بالغداء ، وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله . إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة على تحصيل حاجته من ذلك الغداء وغير موفية له بمادة حياته ، ولو فرضنا أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلايصح إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ . وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري” .
، وبما أن أصل الاجتماع يقوم على الضرورة ، فإن الضرورة تحدد الانتماء الاجتماعي للفرد وتجعل منه ، أي الانتماء الاجتماعي ، أمرا لا مناص منه .إذ ليس الفرد شيئا بمعزل عن محيطه الاجتماعي الذي يوفر له ضروريات الحياة وكمالياتها بفعل التبادل ، لذا يتحول الانتماء الفطري إلى واجب مكتسب ؛ حيث أن الفرد يخضع لحتمية الانتاج والاستهلاك فيدخل في علاقة تبادل دائم سمته الأخد والرد …أعطني ما أحتاج إليه وسأعطيك بدوري ما تحتاج إليه … فهو يحصل على الأشياء الضرورية والكمالية التي يحتاج إليها من قبل أفراد آخرين حاجتهم ماسة بدورهم لأشياء تعمل مجموعة أخرى على توفيرها لهم .
تفرز عملية التبادل شبكة معقدة للتبادل المادي والرمزي يتحول بفضلها المجتمع إلى وحدة عضوية تشتغل بنظام محدد كخلية نحل ؛ فالفرد يتلقى تصورات وعادات تشبع بها بفضل مؤسسات التنشئة الاجتماعية ، يحصل على أشياء يدرك بأنها قد صنعت من لدن أناس آخرين مختلفين عنه في وظيفته أشد الاختلاف ، يأكل وجبات مشكلة من خضريعلم بأن فلاحا ما أو مجموعة من الفلاحين قد تحملوا عناء غرسها والسهر على رعايتها إلى أن اكتمل نضجها ، يرتدي ألبسة يوقن بأنها تستلزم المرور عبر عدة مراحل لتصل إليه في شكلها النهائي الذي ينال إعحابه ، ويقطن في منزل يعلم بأن مهمة تشييده وتأثيثه تطلبت تدخل عدة صناعات ، ويدرك بأن كل عملية من هذه العمليات بحاجة لمجالات أخرى …ويصل إلى خلاصة مفادها بأن كل واحد من بين هؤلاء يحتاج إلى آخرين بإمكانهم توفير متطلبات حياته اليومية التي لا تستقيم حياة الفرد بدونها …
ورغم إدراك الفرد لانتمائه الاجتماعي تمثلا ، فهو قد لا يدركه فعلا ، وإن أدركه فعلا فإنه سيكون قد زاوج بين الاثنين معا . لأن الانتماء الاجتماعي لا ينحصر في إنتاج واستهلاك ما هو مادي ، وإن كان لهذا الجانب أهميته القصوى ؛ حيث أنه كذلك إنتاج واستهلاك لماهو معنوي ، لكون الجانب الفكري محدد لاستقرار المجتمع وعامل متحكم في العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد .
واجبات الإنسان ج 1
أكتوبر 8, 2009()سلطة الواجب()
تكاد القناعة التالية أن تكون فكرة راسخة لدى الجميع ؛ وهي أن كل حق يتطلب القيام بواجب وأن كل حرية مسؤولية . وإذا كان الأمر كذلك ، فما جدوى الحديث عن واجبات الإنسان ؟ أوليس كل حق واجب وكل حرية مسؤولية ؟ قد يقول أحدهم بأن الأصل حق وانعكاسه واجب ، فلماذا لا نشتغل على الأصل لأنه سيفرز انعكاسا ؟ والأصل حق والانعكاس وجب . إلا أننا سنتساءل بدورنا ؛ ماجدوى حقوق الإنسان إن كان هذا الحق لذاته وليس لغيره ؟ أوليس كل واجب حق وكل مسؤولية حرية ؟ سنقول بأن الأصل واجب وحق وانعكاسه حق وواجب ، فلماذا لا نشتغل على الأصل لأنه سيفرز انعكاسا ؟ والأصل واجب والانعكاس حق .
إن الإنسان كل متجانس ، وحينما نخاطبه لا بد أن نخاطب فيه روحه الإنسانية التي تجعل منه إنسانا ، لا بد أن نخاطب ذلك الفرد المسؤول عن حريته ، لا بد أن نعمل على تذكيره بواجباته الذاتية والغيرية …
وإذا تركنا هذا الجانب وخاطبنا روحه الحيوانية التي تقتل إنسانيته من أجل الاستمتاع بملذات صغيرة ، وخوض نزاعات تافهة ، سنكون سبب تعاسته وشقائه ، وسيغدو وحشا يسعى لتدمير الآخرين باسم حرية مطلقة لا تعترف بالآخر ولا تقيم له اعتبارا . ومن الطبيعي أن يجد بعض المساندة والدعم والغطاء الإعلامي من قبل أناس نموذجهم هناك ، حريتهم هناك ، قدوتهم هناك ، وضالتهم هناك !
إننا أمام واقع يتطلب التمييز بين حرية الفرد وحرية المجتمع ؛ وحرية الفرد ستذوب حتما وستنصهر مع حريات الآخرين ، فهذا الفرد المنبهر بكل ما هو آت من هناك والساعي إلى استنساخ تجارب الآخرين مهما أبدى من نضال ، وياله من نضال ! تحت مسمى” الحرية ” لا يملك حق ممارسة تلك الحرية ، المستوردة والهجينة ، إلا إذا تقاطعت مع حريات الآخرين وأسفرت عن منفعة فردية أو جماعية مشتركة .
فحينما نتحدث عن الحرية فإنه من الواجب علينا أن نتحدث عنها كوسيلة للبناء وليس كمعول للهدم ، أو انبهار تتحول معه ثقافتنا وهويتنا إلى شيء رخيص موضوع للمقايضة الإيديولوجية الرثة والشذوذ الفكري القاتل ، وإذا ما بادرنا إلى الدفاع عن الحريات الفردية فإن ذلك يتطلب توحيد الصفوف لتحقيق تناغم اجتماعي واضح وإنتاج أفكار وتصرفات تهدف إلى نقد الموروث لا طمسه ، وإلى تقويته لا نسفه .
الصحافة والنظام !
أكتوبر 2, 2009لنترك السمفونية التي دأبنا على ترديدها كلما تعلق الأمر بالمتابعات التي تطال الصحافة المغربية ، ولنتحدث بشيء من الواقعية .ما يجب التأكيد عليه هو أن الصحفي من حقه أن يبحث عن المعلومة ، غير أنه مطالب بالتمييز بين ما هو سياسي وما هو شخصي ، وباقتحامه للحياة الشخصية تكون مهنة الصحافة قد تحولت إلى سخافة لا طائل من ورائها لأن المواطن بحاجة إلى من يتحدث عن ما يعترضه من مشاكل وليس عن مغامرات هذه الأميرة وتلك وهذا الأمير وذاك.
جمعويون يؤسسون “الجمعية المغربية لواجبات الإنسان”
سبتمبر 27, 2009بعد الجدل الذي أثارته محاولة حركة «مالي» تنظيم إفطار جماعي علني
عادل نجدي/ جريدة المساءفيما لا تزال ردود الفعل تتوالى على محاولة مجموعة «الحركة البديلة من أجل الحريات الفردية»، المعروفة اختصارا بـ«مالي»، تنظيم إفطار جماعي علني يوم الأحد 13 شتنبر الجاري، أمام محطة القطار بالمحمدية، تعبيرا عن رفضها للفصل 222 من القانون الجنائي الذي يتضمن عقوبات حبسية في حق من يفطر علنا في رمضان، تعكف مجموعة من الفعاليات الجمعوية على التحضير لتأسيس إطار جمعوي جديد تحت مسمى»الجمعية المغربية لواجبات الإنسان»، هدفه نشر ثقافة الواجب والمسؤولية كقيم تقع على الطرف الآخر.
وبدأت هذه المبادرة على صفحات «الفايس بوك» من خلال إنشاء مجموعة تحمل اسم «الحركة المغربية لواجبات الإنسان» (واجبنا)، حيث تقول «إننا لا نغازل أحدا ولا نحارب أحدا، ولكننا نؤمن بأن حرية الإنسان تقف عند حدود حرية وكرامة الآخر، وحينما تمس به تكون قد تحولت إلى فوضى عارمة تستفز الوجدان وتعود بنا إلى صراعات دامية وهامشية نحن في غنى عنها».
ويضيف الواقفون وراء جمعية «واجبنا»: «إذا كنا نؤمن بالاختلاف والتعدد والحريات الفردية، فإننا نعتبر الحريات العامة أسمى المقدسات التي ندافع عنها، ولذلك نسعى إلى العمل على نشر ثقافة الواجب والمسؤولية، علاوة على بعث روح التضحية في الجسد المغربي الذي تكالبت عليه المبادرات من كل جانب فتحول إلى ساحة خصبة للوصوليين الذين إن كانوا يبحثون عن الشهرة فلا غرابة في ذلك، وإن كانوا يجانبون الصواب بسبب تطرف في الفكر فلا يسعنا إلا أن نواجه تطرفهم بإدراكنا لواجباتنا تجاه وطننا ومحيطنا».
وفي تصريحات لـ«المساء» قال خالد العوني، منسق الجمعية: «مبدئيا لسنا ضد حقوق الإنسان، ولا يمكننا أن نكون كذلك، لكن الاختلاف واضح بين ما يتعلق بالحريات العامة والحريات الفردية. فإذا كان كل شخص أشهر شذوذه أو إفطاره لرمضان يطالب الرأي العام بتكييف القانون حتى يتماشى مع شذوذه أو إفطاره لرمضان تحت ذريعة الحرية، فإن في ذلك مسا خطيرا بثوابت الأمة ومقدساتها».
وحول ما إذا كانت الجمعية كرد فعل على «مالي»، أوضح العوني أن إنشاء «واجبنا» يأتي في سياق يعرف نقاشا حول مدى مشروعية ما قام به أعضاء «مالي»، بيد أنه يستدرك قائلا: « «مالي» ليست السبب الرئيس لإنشاء الجمعية لأن هنالك ما هو أكبر منها، فواجبنا تجاه وطننا والواقع الاجتماعي الذي ننتمي إليه يفرض علينا العمل على تنمية القواسم المشتركة والإحساس بالانتماء الوطني والاجتماعي للفرد داخل وطنه ومجتمعه»، مؤكدا أن«الحرية لا تعني إشاعة الفوضى، فقد تكون حرا إزاء حريتك الفردية لكنك مسؤول داخل إطارك الاجتماعي العام»

أفرادا مختلفين ، غير أنهم كأعضاء الجسد البدني متراصين ومترابطين ، يؤدون أدوارا متمايزة ، إلا أنها تحقق منفعة مشتركة تعود بالنفع على الجسد الاجتماعي الواحد الذي يحقق لكل واحد منهم انتماءه الاجتماعي داخل المركز واستقلاله عن المركز كطرف مرتبط به ارتباطا عضويا .