طـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــز !


… ها أنا ذا أنخرط في تمرد داخل داخلية معهد التكنولوجيا التطبيقية للمطالبة بتحسين وأنسنة ظروف العيش والإيواء، استمرت المقاطعة لليوم الثاني، وبعد لقاء جمع بعض الإداريين والمتدربين طغت عليه لغة الخشب قرر المتدربون الاستمرار في الاحتجاج ليتلقى بضعة أشخاص منهم إشعارات عاجلة بضرورة الحضور إلى مكتب المدير الجهوي للتكوين المهني بالجهة الشرقية، ووفاء لنهجي الرافض لكل انصياع أو خضوع رفضت الذهاب إلى مكتب المدير الجهوي، وقلت لمدير المعهد بأن من يريدني عليه أن يحضر بنفسه لملاقاتي فأن لم أرتكب أي جرم. وبمجرد علمي بذهاب جميع المتدربين الذين كانوا في الواجهة خلال الاحتجاجات التي تم إقبارها من خلال الترغيب والترهيب إلى مقر المديرية الجهوية للتكوين المهني وبعد علم أسرتي بما يقع خصوصا بعد أن تلقيت توبيخات حادة وقاسية من والدي أذعنت للأمر الواقع وقررت الذهاب إلى حيث أريد لي علما أن علاقتي بأسرتي كانت متأزمة بسبب انقطاعي عن الدراسة خلال الخمس سنوات السابقة لسنة 2011؛ ما اضطرني إلى قضاء الجزء الأكبر منها في فراغ قاتل، والعمل على فترات بمدن مختلفة والتشرد في ضواحيها، والتنقل بين مهن وأنشطة تجارية عديدة كانت نتيجتها الحتمية الفشل والإخفاق دون أن يبتسم لي الحظ أو أن أحقق ذاتي في واقع سوداوي حالك ساهمت مؤثراته وتزامنا مع تحولات سياسية شهدتها المنطقة في دفعي إلى الدعوة والتحضير بكل عفوية، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب الشباب العشريني لتظاهرات شعبية جابت مختلف ربوع وطن جريح كسر فيه شباب الجيل الجديد حاجز الخوف الذي سيطر على ذهنيات الآباء لعقود وقرون من الزمن. لكن قبضة الجلاد كانت أقوى وبدأ وهم الشعارات الزائفة المرفوعة يتبخر والتدخلات القمعية تتسلسل والاعتقالات تزداد ولم أسلم بدوري من الاستنطاق والمساءلة على فترات متفرقة وهو ما نتج عنه إحساسي بتشديد الخناق علي سواء من طرف أسرتي أو من طرف المحيطين به، فتقدير البعض امتزج بازدراء وتحقير آخرين نظرا لعفويتي، وطيشي، ولعدم توفري على المؤهلات العلمية والمعرفية الكافية !
وبعد صراع قوي مع الذات ونتيجة لتشديد الخناق علي من كل جانب علقت نشاطي التدويني المتابع بسببه ونشاطي السياسي داخل حركة 20 فبراير لأني كنت أضعف من أن أواجه طوفانا بعدة بدائية وبمرارة فضلت لعب دور الابن البار والاشتغال على ذاتي في فترة بدأت تعرف تراجعا في الاحتجاجات وتزايدا في المتابعات وترويجا للإصلاحات والشعارات الطنانة التي يرفعها السياسيون لخداع الجماهير دون أن يكون لها أي سند واقعي صلب تقوم عليه وتُنزل فيه.
توجهت في صبيحة يوم مشمس بخطى متثاقلة وذهن شارد ومزاج معكر الصفو إلى حيث سأحطم بمقر المديرية الجهوية للتكوين المهني بمدينة وجدة. وصلت إلى عين المكان ودقات قلبي تنبض بقوة خوفا من المجهول الذي ينتظرني، وأكثر ما كنت أخشاه هو قرار الطرد، في فترة عصيبة بكل المقاييس، غير أني كنت واثقا من نفسي وعلى أتم الاستعداد لهذا اللقاء التوبيخي أو الزجري الذي لم أعرف مضمونه وفحواه لكن كل المؤشرات كانت تشير إلى أنه أريد له أن يكون الغرض منه إذلالي وتمريغ إرادتي وصمودي في وحل السلطوية المتعالي العفن. وبعد إجراءات روتينية هدفها تحسيس كل إنسان دخل الإدارة بحقارته وصغر شأنه أمام عظمة السلطة وجبروتها ولجت مكتب المدير الجهوي بخطى الواثق من نفسه وفجأة أمرني المدير الجهوي للتكوين المهني بإغلاق الباب والتوقف هنالك بعيدا عنه وقد نظر إلي نظرة ازدراء واحتقار، فرفعت رأسي شامخا، ونظرت إليه نظرة الواثق من نفسه فانتصرت نظرة المغلوب على نظرة الغالب، وتساءل المدير الجهوي غاضبا:
– لماذا تحدثون الفوضى داخل المؤسسة؟
– ما نقوم به ليس فوضى، إنه نضال مشروع من أجل نيل حقوق عادلة: فهل المطالبة بماء ساخن من أجل الاستحمام في فصل الشتاء فوضى؟ وهل المطالبة بتغذية صحية ومتوازنة فوضى؟ … و
– يبدو أن رأسك صلب كثيرا؟ …. ومستواك الدراسي أولى باكالوريا ! … طـــــز !!!
كان لهذه الكلمة وقع قوي على نفسيتي؛ وقع الزلزال المدمر الذي حطم صرح ذاتي ليفقدني توازني النفسي، أحسست وكأني تلقيت طعنة غادرة. حزن عميق تسلل إلى دواخلي و كآبة انتشرت بسرعة كبيرة كالضباب الكثيف من حولي، الأمر الذي انعدمت معه الرؤيا لأحاول تلمس الطريق تلمس الأعمى. ودون أن تعطى لي فرصة الرد وفي سباق مع الزمن من أجل الاستمتاع بلحظة انتشاء من طرف المدير الجهوي للتكوين المهني أمرني بالانسحاب مذكرا إياي بأن قبولي في مؤسسة عريقة ذات نظام عسكري صارم يستعبد فيها المتدرب يمثل شرفا لإنسان فاشل مثلي!… اغرورقت عيناي بالدموع وخرجت منحنيا منكسرا، استحضرت سنوات خلت من حياتي واسترجعت شريط الأحداث وكيف جنيت على نفسي بسبب حماقاتي وطيشي ومعاناتي التي كانت وراء اتخاذي لقرار أفقدتني تداعياته ثقتي في نفسي وأنا أدور في حلقة مفرغة وثقة أسرتي وأقرب الناس إلي. ومن أجل كل هؤلاء استجمعت قواي من جديد وقررت العمل على معانقة أحلامي قائلا: لن أقتصر على الحصول على شهادة البكالوريا أحرار خلال هذه السنة، بل سأحصل عليها، وعلى شواهد أخرى مستقبلا، وسأعود إلى مكتبه لألقي نسخة منها على وجهه وأقول له حرفيا: “طز” لكل من يقيم الإنسان بناء على شواهد شكلية وليس انطلاقا من منطلقات نظرية، ولأمثالك ولكل من أعجزه ضعف الحجة لديه عن مجاراة إنسان ليبحث عن خيباته ويستثمرها من أجل إذلاله وتوجيه ضربات قاضية له.
فانصرفت إلى حال سبيلي وواصلت الدراسة بالمعهد خلال تلك السنة وحاولت تجاوز كل المعيقات وتحويل كل الحواجز إلى حوافز لأن معارك الحياة حطمتني، ودمرتني لتجعلني أعاني في صمت، وأتألم في صمت وأموت في كل لحظة وحين… فكيف لإنسان منهار أن يستمر في القتال دون أن يمتلك العدة الكافية أو أن يتصلب؟ ومع اقتراب موعد اجتياز الامتحانات ضاعفت الجهد وكرست كل الوقت من أجل بلوغ المبتغى الذي لم يكن رهانا ذاتيا بقدر ما كان تحديا بالدرجة الأولى:
– تحديا لوالدتي وهي تردد باستمرار دون وعي منها عبارة تحطمني وتمزقني:
“إيه يا مامي تغريد يا إيظني تخسد أتغرد عاد إيضو،
كيف لك أن تدرس اليوم وأنت لم تدرس في وقت سابق !”
– تحديا لأصدقائي المحبطين الذين جزموا بكوني لن أكون قادرا على تحقيق هدفي، وللجهات التي أصرت على أن تقول لي، في مخافر الشرطة، أنه لا يمكن لعبد تافه الشأن أن يتطاول على أسياده !
في بيئة يهوى فيها الإنسان زراعة الإحباط ونشر ثقافة الهزيمة عملت على استبدالهما ولو في إطار ضيق بزراعة الأمل في وقت كثر فيه حصاد الإرادة وانتشرت فيه معاول الهدم.
وكما كان متوقعا اجتزت الامتحانات وانتظرت النتائج بكل لهفة وشوق وكلي اقتناع بكوني سأنفذ إلى عمق الفرح. ذلك الصباح وبحماسة قل نظيرها كنت على يقين تام بأن الأمور ستكون في مستوى الانتظارات والتطلعات. انتصف اليوم، الوقت بطيء وكأن الزمان توقف، السويعات تمر وكأنها قرون من الزمن، فجأة رن الهاتف والمتصل ليس سوى شقيقي من مسقط رأسي حيث اجتزت الامتحان فقمت بالرد:
– أهلا،
– كيف حالك؟
– بخير،
– النتيجة سلبية، استعد لاجتياز الدورة الاستدراكية !
أحسست وكأن بذرة الأمل التي زرعتها أنبثت، بشكل غير متوقع، شجرة الألم. ذرفت دموعي وقررت الرضوخ للأمر الواقع فأنا لم أخلق لأفرح وبما أنني لم أحقق هدفي في المرة الأولى فلن أحققه في الثانية، والدتي على حق، أصدقائي على حق، المجتمع على حق، ارتكبت جريمة والآن لا سبيل إلى إصلاح الأمر، سأتعايش مع الألم وأرضخ للأمر الواقع، فلتسقط الإرادة وليسقط عقار الأمل الذي نتعاطى لجرعات منه فقط لنستمر في رؤية حياتنا البشعة بشكل طوباوي.
تلقيت الاتصال الأول، الثاني، الثالث والرابع… واستحضرت جملة كان يرددها والدي، باستمرار، في لحظات يأسه معتبرا أن معاناته في الحياة لم تجدي نفعا لأنه لا أحد من أبنائه يقوم بدوره في المهمة الموكلة إليه، فكيف لا أحاول مجددا، أكون أو لا أكون، من أجل بعث نفسي، من أجل والدي، من أجل المؤمنين بي، ومن أجل كل الذين فقدوا كل أمل في إمكانية تغيير أوضاعهم التي ينظرون إليها كحتميات مقدرة لا سبيل إلى تغييرها أو الفكاك منها… شرعت في الإعداد مجددا وقد بذلت مجهودا استثنائيا ومضاعفا للقيام بمراجعة جامعة مانعة خلال فترة وجيزة إلى أن اجتزت الامتحانات في حرارة الصيف الملتهبة وبانطلاقة ذاتي المندفعة والمتدفقة كمياه نهر الكانج.
ومع إعلان نتائج الدورة الاستدراكية التقيت صديقا قديما يعمل في الثانوية كحارس أمن على بعد أمتار قليلة منها، أوقف صديق الطفولة دراجته وتفحص ملامحي ليقول له بالحرف الواحد: هنيئا لك لقد حصلت على شهادة البكالوريا بميزة مستحسن.
– أحقا؟
– نعم، اسمك… أليس كذلك؟
– نعم، لكن، لا يمكن.
وأنا أتأمل اللوحة المخصصة للنتائج قرأت اسمي عشرات المرات حرفا حرفا… لم أصدق. رددت في صمت: أيعقل؟ هل أنا في حلم؟ لا يمكن للحياة التي كانت قاسية في حقي أن تصبح رحيمة معي الآن. وأخيرا… كنت قد اتخذت قرارا من قبل هو ذهابي إلى مكتب المدير الجهوي لألقي على وجهه نسخة من شهادة البكالوريا وألقنه درسا لن ينساه وأقول له بازدراء واحتقار عظيمين: “طـــــــــــــــــــــــــــــــــــز” وأغادر إلى حال سبيلي، لكني سمعت صوتا داخليا يخبرني بأن الأمر يتعلق ببداية مسار ويتوجب علي شق طريقي بين جبال الحياة الوعرة بكل ثقة وثبات، وبأن هذه العبارة يتوجب علي قولها بشكل دائم وبأشكال مختلفة ومع كل نجاح جديد… ياله من نصر، و ياله من صمود، و يالها من رغبة… تذكرت أن كل الأطفال كان لديهم حلم في طفولتهم بينما كنت طفلا بدون حلم، ولم يكن من يطرح هذا السؤال على شخصي يتلقى سوى إجابة سلبية يتيمة إلى أن ولد فجأة وبشكل عذري من رحم الحياة حلم أسطوري احتضنه وتعهدته بالعناية والرعاية دون أن أتنكر له.
وعلمت خلال سنتي الثانية بالمعهد ومع بداية الموسم الدراسي لسنة 2012، أنه تم فتح الشعبة التي طالما حلمت بالدراسة فيها بعد أن أغلقت في وجهي جميع الأبواب إذ لم أحلم يوما والأبواب مفتوحة في وجهي وكأن هوايتي هي الحلم في أوقات الشدة لا في لحظات اليسر. وأثناء رغبتي في التسجيل بالشبعة كان هناك تماطل في التسجيل وبعد أيام وجدت أن اللائحة التي تتضمن أسماء الطلبة المدعوين لاجتياز المباراة لا تتضمن اسمي لكني كنت مصرا على الدفاع عن حظوظي وأحلامي وتوجهت صبيحة ذلك اليوم نحو أعضاء اللجنة وأخبرتهم بكون اسمي أقصي من اللائحة بشكل غير مبرر وبعد تحققهم من الوثائق المطلوبة أخبروني أنه يمكن لي اجتياز المباراة وكم كانت فرحته عظيمة وعميقة أثناء قبولي.
بعد ذلك اعتبرت أن الحياة التي جلدتني بسياطها بكل قسوة بدأت تبتسم في وجهي حقا وبدأت مشوارا دراسيا جديدا كان لشخص عصامي أن يصادف فيه مجموعة من الإكراهات فما كان مني سوى أن عملت قدر الإمكان على تطوير قدراتي، نوعا ما، فحصلت في السنة الثانية على دبلوم الدراسات الجامعية العامة. وبعد جهد جهيد حصلت خلال السنة الثالثة على الإجازة الأساسية في علم الاجتماع الحضري. وكان كل أملي أن أكون قد أعطيت أملا للمنحدرين من القاع الاجتماعي، للراسبين والمنقطعين عن الدراسة، للجياع والمحرومين، للمسحوقين والمضطهدين… أننا نستطيع، نعم تستطيع، بصمودنا وكفاحنا أن نغير واقعنا كأفراد وواقعنا كجماعات ومجتمعات. إننا لم نوجد لنركع ولنتجرع مرارة الهزيمة والحرمان…
– فطز، نعم، طز لكل من لا يتعامل مع الإنسان بناء على مستواه المعرفي الذي يعتبر ارتفاعه في شرع الرعاع تمردا ووضاعة،
– طز لكل شخص قطع شوطا، أو أشواطا، فتنكر لبني جلدته،
– طز لكل لامسؤول أهان، ويهين، إنسانا منحدرا من القاع الاجتماعي كل جرمه أنه ولد مفقرا مجوعا في تشكيلة اجتماعية يدفع فيها الفقراء الثمن، ويكتوون بنار السلطوية، ويعتبرون ضحايا سياسات ممنهجه تنتج وتعيد إنتاج واقع مسطر ومرسوم مسبقا وفقا لإرادات الفاعلين الحقيقيين وانطلاقا من استراتيجياتهم.
وكان اقتناعي عظيما بأن خير وسيلة للنضال في المرحلة هي فهم الواقع واستيعابه والبحث عن تركيب لتناقضاته، هي شحذ القلم وإعمال العقل، وترتيب الأولويات سواء أكانت فردية أم مجتمعية للذهاب من البسيط إلى المعقد ووفقا لمبدأ التدرج.
– فطز، أيها “اللامسؤولون” فإننا في وطننا لقاعدون، وإن الإنسان فينا كطائر العنقاء، وإنا وإن احترقنا لمنبعثون، ومنتصرون ومحلقون… أما أنتم فمزابل التاريخ تليق بقدركم أيها السادة المحترمون !!!

Khalid Elaouni – خليد العوني
‫#‏خليد_العوني‬
‫#‏طز‬

Photo de ‎علم الاجتماع - Sociologie‎.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s