أرشيف التصنيف: فلسفة الدين

أصل الدين عند لودفيج فيورباخ – خليد العوني  

ludwig-feuerbachليست الطبيعة، لدى فيورباخ، سوى كلمات وأشياء وموضوعات يميزها الإنسان عن نفسه وعن نتاجاته… ومصدر الدين هو شعور الإنسان بالتبعية للطبيعة التي مثلت/ تمثل، في واقع الأمر، الموضوع الأصلي الأول للدين. ولا تتحدد فطرية الدين باعتبارها مجموعة من المنظومات العقدية الجاهزة والمتوارثة المتوافقة مع طبيعة الإنسان كما هو رائج  بل إن الدين فطري، وفقا للمنظور الفيورباخي، بما هو شعور بالتبعية يكون فيه الإنسان مدركا تقريبا بأنه لا يوجد ولا يستطيع الوجود بدون كائن آخر مختلف عنه وأن وجوده لا ينشأ في ذاته. ويمثل إله العالم أو الطبيعة انطباعا وتعبيرا عن قدسية الطبيعة نفسها المملوكة لروح «…هي روح الإنسان وخياله ونفسه التي تنتقل بذاتها طواعية إلى الطبيعة وتجعلها رمزا ومرآة لكينونة الإنسان» (1). وإذا كان وجود الطبيعة غير قائم على وجود الله فإن وجود الله مبني على وجود الطبيعة بالنسبة للإنسان.

إن «الله هو الكائن الذي يحتوي على الكل وكلي وغير قابل للتغير ولكنه هو نفسه الشمس التي تشرق على كل الناس والكائنات وعلى الأرض وهو نفسه السماء التي تحتوي عليها كلها وهو نفس الأرض التي تحملها كلها»(2). فالله كائن لا يمكن تعريفه باستخدام مقاييس بشرية، هو كائن أعلى في الفضاء، غامض لا يمكن إدراكه حسيا « ذلك لأن الطبيعة بالنسبة للإنسان وخصوصا المتدين كائن غامض لا يمكن إدراكه حسيا»(3). وأخيرا فإن الله هو ذلك الكائن المستقل عن الإرادة البشرية ولكن هذا الكائن مرة أخرى ليس سوى الطبيعة… ومع أن الله يبدو مختلفا عن الطبيعة فليس في الأصل شيئا غير الطبيعة التي تتطلب بدايتها الخارقة، بالضرورة، استمرارا خارقا لها… ماهو الله؟ «ليس في الأصل سوى الطبيعة، أو جوهر الطبيعة، ولكن الطبيعة كموضوع للعبادة، وككائن رؤوف ذي إرادة»(4)

 لم تكن الأرض، دائما، كما هي عليه حاليا وقد انقرضت كائنات مثل الزواحف المجنحة والديناصورات… لأن شروط وجودها لم تعد موجودة، وتستطيع الأرض أن تنتج الإنسان بفضل قوتها الذاتية ومصدر الحياة متضمن في الطبيعة نفسها.« نحن نعيش داخل الطبيعة وعلى الطبيعة وبواسطة الطبيعة فهل يجب علينا مع ذلك ألا نكون منها؟ يا له من تناقض !» (5)وعدم فهم أصل الحياة ليس مبررا للمرء ليستمد نتائج خرافية/ وافتراض وجود كائنات أخرى، خيالية، تفسير لا يفسر شيئا. إنه تفسير للمجهول بالمجهول !

ونتيجة لاستغلال الإنسان للطبيعة وإحساسه بالاعتداء عليها قدم التضحية إلى روح الآلهة؛ معتبرا أن استغلاله  ذاك ليس عجرفة منه وإنما أمر فرضته حاجاته التي يتوقف وجوده على إشباعها، ولن يتحقق هذا الإشباع إلا بالمزيد من الاستغلال … والتضحية تقدم الجوهر الكلي للدين بصورة حسية. ومصدرها هو الشعور بالاعتماد… وتأنيب الضمير بسبب ارتكاب الخطيئة. «ورغم أن الشعور بالاعتماد على الطبيعة هو مصدر ودافع الدين: فإن غرضه وغايته تحطيم مثل هذا الشعور والاستقلال عن الطبيعة. أو مع أن قدسية الطبيعة هي أساس وقاعدة الدين عموما والدين المسيحي خصوصا فإن غايتها هي قدسية الإنسان» (6)

الموضوع الأساس للدين هو موضوع أغراض الإنسان وحاجاته… ولكن ما تعتمد عليه هاته الاخيرة -الحاجات- يعد لنفس السبب أماني إنسانية… وهي إرادة ليست للإنسان القدرة على تحقيقها لذلك يحاول تربيتها من خلال الدين… وما لا يمكن تحقيقه ويصبو إليه المرء يحاول الوصول إليه بتضرعه إلى الآلهة… ويلجأ الإنسان إلى الله فقط في أوقات المحن التي يدرك فيها المرء عدم قدرته على تحقيق حاجاته. وغالبا ما نجد أن الحضارة والثقافة تعجزان عن تحقيق رغبات الدين، فلن يصل العلم إلى تحقيق الخلود وهذه الرغبة المطلقة التي لا يمكن تحقيقها تترك للدين. غير أن « الطبيعة لا تستجيب لعويل الإنسان وطلباته وإنما ترجعه إلى نفسه دون رحمة» (7)

إن التأليه أو التوحيد ينبعان فقط من ربط الإنسان للطبيعة بنفسه. إذ «… يجعل المشركون وأصحاب الدين الطبيعي عامة الأشياء الحقيقية متخيلة. في حين أن الموحدين من جهة أخرى يجعلون الأشياء الخيالية والأفكار أشياء حقيقية، أو يجعلونها جوهر العقل والإرادة والخيال أو كائنا علويا مطلقا» (8)إن المذهب القائل إن الله هو خالق هذا العالم مصدره ومعناه العقيدة القائلة بأن الإنسان هو هدف الخلق. وليس هذا الكائن الروحي الذي يضعه الإنسان فوق الطبيعة إلا الجوهر الروحي للإنسان نفسه والذي يبدو له رغم ذلك كآخر يختلف عنه إطلاقي القدرة. خالق الطبيعة من خلق الخيال الإنساني ورغبة الإنسان في تمييز نفسه وجعلها فوق الطبيعة.

غالبا، يتساءل المتدين لماذا تسير الأمور بهذا الشكل؟ ما الحكمة؟ ألا تمثل الدقة المتناهية دليلا على عظمة الله؟… والجواب أن  الحركة/ الفعل/ النظام… كل شيء يحدث ضمن نطاق الضرورة وذلك هو الشيء الوحيد الذي يجيده الكائن أو الموضوع الذي تتفق المهمة المنجزة من طرفه بدقة متناهية وبراعة قل نظيرها مع طبيعته. وسيكون عاجزا على القيام بالعكس طبعا بما يتعارض مع قدراته وإمكاناته والشروط المتوافرة من حوله… «إن الإعجاب الديني بالحكمة الإلهية في الطبيعة مجرد حماس طارئ، وهو إعجاب يشير فقط إلى الوسائل ولكن هذا الإعجاب ينتهي بالتأمل في أهداف الطبيعة» (9)فاكتشاف قوانين الطبيعة والمجتمع وحده من يضع حدا لنظرتنا العجائبية للواقع من حولنا.

ومن المستحيل البحث عن الله في أي مكان لأن الله بنفسه ليس شيئا سوى جوهر خيال الانسان وقلبه. وبمجرد أن يدرك الإنسان أن حياته تتطلب الاستعانة بقدراته الخاصة وأن الناس هم الذين يتسببون في تعاستهم، وبمجرد تخطيه للمرحلة البدائية وتقريره لمصيره بناء على أسس وقوانين تظهر له الطبيعة والعالم كشيء معتمد على فكره وإرادته متأثر بهما.

(1) أصل الدين، لودفيج فيورباخ، ترجمة أحمد عبد الحليم عطية. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، الطبعة الأولى 1991 ص 48

(2) نفس المرجع؛ ص 50

(3) نفس المرجع؛ ص 52

(4) نفس المرجع؛ ص 75

(5) نفس المرجع؛ ص 57

(6) نفس المرجع؛ ص 73

(7) نفس المرجع؛ ص 81

(8) نفس المرجع؛ ص 90-91

(9) نفس المرجع؛ ص 101